| تعقيب على د. حيدر إبراهيم علي
|
المثقَّف وتوهان البوصلة أكن تقديراً واحتراماً خاصاً للأخ الدكتور حيدر إبراهيم علي. وهو احترام يتصل رغم نصاله التي ضلت طريقها. فقد كان ضمن صحبة حقبة القاهرة وكنا شهوداً ومتعاونين في بناء مركزه حتى بلغ أشده وأصبح صرحاً يسهم في توثيق المعرفة، وينتقل بالحدث والفكرة السودانية من أسر الشفاهية إلى التحرير.لم يكن رأي الدكتور حيدر وهو يعبر عن إعجابه بالسيد الصادق المهدي عبر حقبة التسعينيات ومن خلال رواق مركزه في القاهرة الذي نفخ فيه المهدي الروح وأضفى عليه من نفحاته الفكرية وأضاف إليه بحضوره المستمر، مثلما عبّر عنه في مقاله غير الموفق الذي يؤكد أن صاحب المقال وليس الموضوع هو أوضح مثال لتقلب الشخصية والمزاج.
ولم يكن رأي الأخ حيدر هكذا يوم أضفى السيد الصادق المهدي رونقاً وعمقاً ووقاراً بهر به، لصورة المثقف السوداني داخل الأروقة التي تجالس فيها الرجلان وبين حلبات المثقفين العرب والأجانب وهو لا يزال يضيف عمقاً ووعياً، الرابح الوحيد منه صورة المثقف السوداني في محيطه الإقليمي والدولي.
فالصادق المهدي ليس (الشخص الذي يغير مواقفه وكأنه يلعب أدواراً مسرحية على خشبة تمثيل، وليس من يغير الأقنعة والملابس والصوت حسب مقتضيات الدور المستجد.) على حد عبارة د حيدر.
وأحسب أن الدكتور حيدر قد ساءه أن يضّيق المهدي مساحات الخلاف مع خصومه دون أن ينفذ بالتحليل إلى صلب ما تم الوفاق والاتفاق حوله وإذا ما كان المهدي متناقضاً مع مواقفه المعلنة من ضرورة بسط الحريات الأساسية وتحقيق التحول الديمقراطي وحل مشكلات البلاد في أطر قومية تتسع للجميع. فأين بدّل المهدي مواقفه وأين غير أدواره، وأين بدّل سلوكه، وأين خاصم أدواره وأين اقترب من الهزل وتنصل عن الجدية؟
لقد حافظ السيد الصادق المهدي على مبدئية مواقفه من قضية الديمقراطية والحريات حتى يتمكّن الدكتور حيدر وغيره من النقاد من ممارسة دورهم، وقد دفع ثمن جميع مواقفه سجناً وتشريداً ومصادرة، وهو ثمن لا يبخسه عليه أحد إلا من جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم. لم يلج العمل العام إلا منتخباً عبر صناديق الاقتراع ولم يختلس مالاً عاماً ولم يبخس على الناس أشياءهم بل بح صوته من المناداة بأطر قومية تجمع الأشتات وتفشي السلام بين الناس.
ولعل من الغرابة أن ينزعج الدكتور حيدر من مجرد الاتفاق بين المهدي وخصومه السياسيين على قواسم مشتركة حول قضايا الوطن وهو ما ينفك يردد (أننا لن نشارك إلا في إطار حكومة وطنية جامعة أو عبر صندوق الاقتراع) فأي ديمقراطية يريدها الدكتور حيدر وبينه المتهافتون على القسمة الضيزى والموقع العاطل ممن لا يستطيع الأخ الدكتور رميهم بنصاله!
لم المهدي مجازياً بل لعل أهم مشكلات المهدي انه يتساكن مع الواقع والموضوع بصور مثالية ويؤثر على حزبه ولو كان به خصاصة ولهذا رفض صفقة المشاركة مناصفة في السلطة بعد اتفاق جيبوتي إلا أن يسع غيره، بينما رضي غيره بأن يكونوا مع الخوالف. وهو تأكيد لإيمانه بديمقراطية المشاركة التي حمل راياتها منذ حقبة الستينيات.
لم يوضح الدكتور حيدر لقرائه أين يكمن التناقض وأين تبدو التقلبات فالنهج الذي مارسه المهدي طوال مسيرته أنه لم يأت الحكم إلا منتخبا. وأنه يدعو إلى السلام عبر طيف من المبادرات، وأنه يؤسس للإجماع الوطني، وانه يدعو الانقلابيين الذين انقلبوا على الديمقراطية دائماً إلى كلمة سواء، وأنه قاوم القهر وعارض الشمولية وسجن وشرد وعذب وصودر وأنه يتسامح مع خصومه ومن يسيئون إليه في استكبارهم، وما أن تلوح بارقة استعداد للحوار حتى تلقفها حقناً للدماء كان ذلك في بورتسودان عام 1978 وفي جنيف وفي جيبوتي وفي العديد من العواصم العربية والأفريقية والأوربية على قاعدة (إن جنحوا للسلم فاجنح لها) وليس في ذلك تقلباً أو مساومة إنما في ذلك عمق الفكرة وتقدير القائد وصدق الرائد الذي لا يكذب أهله (مالكم كيف تحكمون).
لقد فقد الدكتور حيدر ميزان حكمه وحكمته وبدا بسطحية لا تتسق مع موضوعية الباحث والمتأمل وهو عالم الاجتماع عندما أرجع دوافع انتاج المهدي للمبادرات والأفكار إلى بناء عوالم من الكلمات والمصطلحات المجازية والإعجاب بالمصطلحات واللغة والافتتان بها. فقل لي بربك أين مجازية الكلمات والمصطلحات في المبادرات التي أطلقت سواء حول سبل حل قضية الجنوب أو قضية دارفور أو قضية شرق السودان أو قضية توزيع السلطة والثروة بين الأقاليم، أين المجازية فيما يتم التفاوض والاتفاق عليه حالياً بين حزب الأمة والمؤتمر الوطني حول قضية أبيي وقضية حدود عام 1956 وقضية إعادة الاستقرار إلى دارفور وقضية التعامل مع الوجود الأجنبي في البلاد؟ وماذا تعني الواقعية التي ينعيها الدكتور حيدر إن لم تكن هذه القضايا التي يتصاعد الدخان والبارود من ثناياها؟
ثم أبدى الدكتور حيدر استياءه البالغ لحديث الإمام الصادق في زيارته إلى مناطق ريفي الحصاحيصا حول المراحل التي واجه فيها حزبه النظام الحالي مداً وجذراً وصولاً إلى المرحلة الأخيرة من التوافق حول أساسيات ومدخلات التحول الديمقراطي، ولم يقدم لنا الدكتور حيدر او للقوى السياسية كيفية النضال السياسي التي يراها مع نظام تمت مواجهته بكل الوسائل، عندما يرتضي الحوار كسبيل للتحول الديمقراطي غير الحوار! هل يريد الدكتور حيدر أن يظل حزب الأمة، وهو حزب سياسي، أن يظل مقاوماً بلون واحد من ألوان المقاومة وهو الحزب السياسي الذي اقر مع غيره من الأحزاب الحل السياسي الشامل كمدخل للتحول الديمقراطي!
ولماذا لم يعتبر د. حيدر، الراحل جون قرنق، متقلباً وهو يحاور النظام مهادناً من عاصمة إلى عاصمة ومخاشناً في أرض العمليات حتى وقع معه اتفاق نيفاشا؟ بل دون أن تعير الحركة الشعبية الانتباه إلى حلفائها؟ ولماذا لم يعتبر اتفاق القاهرة وغيره من الاتفاقات اللاحقة تقلباً في المواقف من المخاشنة على المهادنة ولماذا لم يعتبر انتقال مركز الدراسات السودانية وهو يقوم بدوره في بسط الرأي السياسي والمعرفي من القاهرة على الخرطوم انتقالاً من المخاشنة إلى المهادنة وقبوله بهامش الحرية الذي يفاوض المهدي من منصته؟
التناقض الصريح في الواقع هو انتقاد الدكتور حيدر للمهدي في عملية البحث عن التراضي الوطني والتوافق حول الثوابت الوطنية والارتضاء بالتحول الديمقراطي والقبول بالتبادل السلمي للسلطة عبر الانتخابات الديمقراطية النزيهة، وإقراره بأن ليس هناك أي عاقل يقف ضد التراضي أو جمع الصف الوطني.
لكنه يتساءل حول الشروط؟ وهل يضير الدكتور حيدر أن تكون الشروط هي تحقيق الإجماع القومي والوفاق القومي، وأي شروط يمكن أن تفرض على حزب يطالب بتعديل القوانين وإزالة القوانين المقيدة للحريات وبسط الحريات العامة، والشفافية وإطفاء الحرائق في أطراف الوطن والانتباه للمخاطر التي تستهدف البلاد وغيرها من هموم الناس.
قال د. حيدر (ومن هنا اتصفت الإنقاذ بنقض العهود ولا تساوي الاتفاقيات الحبر الذي كتبت به فالمهدي وهو صاحب جيبوتي الذي أتى بالفيل من صيده المظفر، لم يتعظ بتجربته ولا بتجربة نيفاشا ولا أبوجا. وبالمناسبة سأل مناوي عن ما تم ونفذ من اتفاقية أبوجا؟ وكثير من الاتفاقيات وصارت الانقاذ خبيرة على مستوى الأمم المتحدة. فقد دوّخت الأمم المتحدة في القوات الدولية/ الهجين مستخدمة قدرتها في المناورة والزوغان والحيل. ولا أدري كيف يفكر السيد الإمام وهو يقدم على هذه الخطوة؟). انتهى..
ولم يقل لنا د. حيدر ماذا يريد السيد الإمام أن يفعل وماذا يمكن لحزبه أن يفعل أكثر من مواصلة النضال السياسي الذي يتصدى له في مقدمة القوى السياسية والمنظمات المعارضة التي يفتح لها قلبه وفكره وداره. ولماذا لم يسأل الدكتور حيدر كل الذين عددهم عن سر قبولهم على هذا الحال سيما وأن حزب الأمة وزعيمه لا يزالون بعيدين عن السلطة ولعلهم الحزب الوحيد الذي هو خارج السلطة. وهل يحّمل الدكتور حيدر المهدي مسؤولية عدم التزام المؤتمر الوطني باتفاقاته السابقة ولماذا لا يوجه الدكتور حيدر انتقاداته مباشرة لنظام الإنقاذ ويحمله مسؤولية ضياع الفرص الوطنية ويحضه على احترام التزاماته بدلاً من انتقاد السيد الصادق بأخطاء غيره.
وتساءل الدكتور حيدر قائلاً «هل هنالك ما يمنع المهدي من الدخول أو التعاون مع نظام شمولي أو نصف شمولي خاصة لو كان اسلاموياً؟ وأضاف لم تكن تنشئة وتربية المهدي داخل حزب سياسي ليبرالي مفتوح بل داخل طائفة دينية لها هرميتها وقواعدها التراتبية وتمددت الطائفة كي تصبح حزباً على رأسه إمام هو الفيصل بغض النظر عن وجود عبدالله خليل أو محمد أحمد المحجوب. وبالتأكيد يصعب على من نشأ وتربى في مثل هذه البيئة أن تكون الديمقراطية مكوناً أساسياً في شخصيته» .
الغريب أن كل الذي يملكه د. حيدر للتدليل على عدم ديمقراطية السيد الصادق المهدي والذي عبر عنه (بالسقوط) قوله إنه أيد حل الحزب الشيوعي السوداني وأنه دخل الاتحاد الاشتراكي بعد المصالحة الوطنية
- وأنه خاطب انقلاب الإنقاذ بعد أيام قليلة وهو في الاختفاء بأنهم يملكون الآن القوة ويمتلك هو الشرعية. ولم يشرح لنا ملابسات وحيثيات تلك الدلائل والأحداث التي تضعف في الواقع منطق د. حيدر وتعزز وطنية وديمقراطية المهدي، وكان الأجدى بالعالم والباحث ان لا يعزل الحقائق عن حثياتها وبيئاتها كي يكون موضوعياً. (لكن عين الرضا عن كل عيب كليلة وعين السخط تبدي المساوئ)..
فالجمعية التأسيسية هي التي قررت طرد الحزب الشيوعي لأسباب وملابسات يعرفها الجميع ولا يملك أحد نقض قرارها في ظل الأجواء التي سادت في تلك الظروف.
ودخول السيد الصادق المهدي للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي جاء في أعقاب المصالحة بعد دورات من الدم والعنف المتبادل قادها السيد الصادق المهدي فقد فيها حزب الأمة (825) شهيداً في أحداث يوليو 76 وهو يقود الجبهة الوطنية ضد نظام نميري. لكنه استقال بعد بضعة أسابيع وبعد أول قرار منفرد لنظام نميري بتأييد اتفاق كامب ديفيد. وهذا يكفي دلالة على أن مغزى الدخول والخروج يدلل على مبدئية المهدي وليس العكس.
أما مخاطبته للانقلابيين في 30 يونيو فلا تختلف عن تفاوضه مع انقلاب 25 مايو بحثاً عن حقن الدماء وبسط الحريات، فالسياسي يمارس دوره بكل الوسائل المتاحة وبالقدر الكافي من الحكمة والعقلانية ولو كان الأمر مجرد الوصول للسلطة عبر الأنظمة الشمولية كما قال د. حيدر علي، لكان من السهل على حزب الأمة أن ينهل من السلطة ما يروق له من المناصب سواء في عهد نميري أو في عهد الإنقاذ الحالي ولعل د. حيدر يعلم ما تمخض عنه اتفاق جيبوتي وما توصل له الأخ مبارك المهدي الذي كان يفاوض الإنقاذ ولماذا رفض ذلك حزب الأمة.
ولا أدري ما هي بواعث الحنين على الشيوعية والتباكي الايديولوجي عليها وقد تركها أهلها ليجعلها د. حيدر مقياساً على عدم ديمقراطية المهدي، ولماذا الخصومة مع إسلامية كيان الأنصار وقواعد حزب الأمة، وهل ينكر أحد انتماءه الحضاري، بل هل أبطأ المهدي يوماً في تقديم صور الإسلام المشرقة والحضارية التي تؤسس لدولة المواطنة واحترام الحريات وحقوق الإنسان والتمسك بالديمقراطية كوسيلة حضارية لتبادل السلطة سلميا ً منذ أن نالها ما نالها عند اعلان قوانين سبتمبر 83 وهل تنكَّر المهدي يوما ًلإسلاميته وليبراليته وهو المفكر الذي يجوب العالم، داعياً ومبشراً بالإسلام والديمقراطية وحقوق المواطنة برضاء المجتمعات الناهضة والمتحضرة التي كرّمت دوره وقدمته حكيماً بين أمصارها.
أخيراً، أخشى أن يكون الأخ الدكتور حيدر قد تعرض لفيروس مرض فقدان المناعة الفكرية والسياسية وداء فقدان البوصلة، وهو الباحث والعالم الذي أعتز بمساهماته ومجهوداته، وقد كان لنا شرف صحبته في القاهرة لكنني في دهشة حقيقة للحالة الانقلابية التي طرأت على تقييمه الموضوعي للأحياء والأشياء وأحسب أنه ظلم السيد الصادق المهدي كثيراً وهو لا يستحق منا إلا كل تقدير فكري واحترام سياسي وحفاوة ثقافية.
اقدر أن هناك حالات قد تنتاب البعض من غشاوة تحركها المخاوف المشروعة، لكنها لا تبرر مثل هذه العبارات الجرثومية التي تلهث للنيل من قامات تقتضي مصداقية الكاتب أن يكون موضوعياً في تناولها لا متحاملاً في غير أناة. وله العتبى حتى يرضى.
أخبار مرتبطة: تعقيب على عادل إبراهيم حمد1-2 - تعقيب على عادل إبراهيم حمد2-2 - تعقيباً على الدكتور حيدر إبراهيم علي في مقاله حول نوم النواطير -رباح الصادق بعد عامين على نيفاشا د . حيدر إبراهيم لـ (الصحافة) -اجراه : التقي محمد عثمان
رجوع |