| بعد عامين على نيفاشا د . حيدر إبراهيم لـ (الصحافة)
|
الظروف مهيأة دستورياً للإنفصال اجراه : التقي محمد عثمان في هذه المحاورة معه ، يلاحظ د . حيدر ابراهيم علي مدير مركز الدراسات السودانية ، ان التاريخ السوداني يعيد نفسه بصورة مأساوية ، فالاخطاء تتكرر حذو السطر بالسطر ، فمثلما اضاع رواد الاستقلال فرصة بناء الدولة الوطنية الحديثة يكرر رواد نيفاشا ذات الخطأ ويفلتون فرصة قل ان تتكرر. ويمضي د . حيدر اكثر من ذلك ، حين يؤكد دخولنا الى مرحلة الدولة الفاشلة ذات الاحتمالات المفتوحة على الانهيار والتفسخ والانقسام ، مشيرا في هذا الصدد الي حال الاحزاب السودانية التي لا تصلح كبديل لشريكي نيفاشا ، وبالتالي لا تستطيع ايقاف الانحدار حسبما يرى.
* بعد مرور عامين على نيفاشا و 51 عاما على الاستقلال .. هل ترانا أجبنا على كل الاسئلة ؟ * كان اعتقادي ان اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا هي بداية الدولة الوطنية الحديثة التي عادة ما يفكر الناس في ايجادها بعد الاستقلال ، وهو السؤال الذي لم يكن لدينا بعد الاستقلال ، لأن اول سمات الدولة الوطنية الحديثة ان تقوم على حق المواطنة ، فاذا حدثت حوادث الجنوب في شهر اغسطس قبل اربعة اشهر فقط من اعلان الاستقلال من داخل البرلمان ولم تحرك ساكناً ، وكان اهمالا واضحاً لمسألة الجنوب واين توضع هذه المسألة داخل هذه الدولة الجديدة. * احداث توريت 1955م لماذا لم تدفع في اتجاه تبني الفيدرالية التي طالب بها الجنوبيون ؟ * رواد الاستقلال كانوا يفهمون ان الفيدرالية تعني الانفصال ، وهذا خلل في طريقة التفكير ، اذ لم يفكروا في شكل يجمع السودانيين بأجمعهم بحيث لا تكون هناك مظالم او تهميش ، ولا ادري لماذا رفضوا مطالبة الجنوبيين بالفيدرالية . * كيف تفسر الأمر ؟ * هو قصر نظر ، الدولة بالنسبة لهم كانت حكومة وليست دولة ، هم كانوا يتعاملون كحكومة او ادارة اكثر منها دولة ، فأنت كدولة لابد ان تحدد من هم السودانيون وماهي حقوقهم ، هذه هي بدايتك اذا كنت تبحث عن دولة ، ولكنهم كانوا يتصرفون كحكومة لذا ابعدوا الجنوبيون في السودنة وفي الوزارات ، وكانوا يعتقدون ان التلاعب بالجنوبيين ممكن وانهم يقبلون بالقليل الذي لم يحلموا به ، وانا اقارن دائما بنهرو رغم مافي ذلك من ظلم لنهرو فبعد استقلال الهند فكر في خلق دولة وطنية حديثة وهذا ما لم يرد عند ازهري ولا عند الاحزاب الاخرى ، فحكومة ازهري سقطت بعد ستة اشهر فقط من الاستقلال. * لماذا تسقط حكومة في زمن وجيز كهذا ؟ أهو قصور نظر فقط ؟ * ايضا عدم الجدية وانعدام الرؤية ، فالأزهري نتاج حزب الاشقاء وتوحيد الاتحاديين والذين تابعوا الاشقاء في فترة مؤتمر الخريجين تجدهم يتحدثون عن مجموعة هلامية ، لم يكن يجمعها فكر معين وهذا ما قال به المحجوب واحمد خير ، ولذلك كانوا يعتبرونهم انتهازيين او براجماتيين لذلك لم تكن لديهم اجابة عن ماذا بعد الاستقلال. * رغم ما في نيفاشا من وضوح في النصوص والجداول الا ان ما بدأ من تعثر يشير الي احتمال تكرار الاخطاء ؟ * المشكلة اننا لا نراكم خبرات ، لذا تتكرر الاخطاء ، وانا قلت لك ان حكومة ازهري سقطت في ستة اشهر وهؤلاء اختلفوا في شهور قليلة ، ونحن نتعامل مع التاريخ بصورة دائرية ، اما بمثالية رغم ماديتنا التي تتحدث عنها أو برجعية وغيبية شديدة جداً ، وتجد التاريخ كأنه يدور في دائرة واحدة دون تراكم ولذا تجد نفس الصراعات. * اذا عدنا الى موضوع الفيدرالية وكيف ان رواد الاستقلال رفضوها الا يشابه هذا الرفض اعتراض المصريين على حق تقرير المصير ؟ * المصريون ايضا اضاعوا على انفسهم فرصة رعاية اتفاقية السلام برفضهم لحق تقرير المصير للجنوبيين الذي اعتبروه يعني الانفصال ، خصوصا وان المعارضة باجمعها كانت في مصر ، ومصر قالت انها لن تتعامل مع حركة او احزاب تدعو لتقرير المصير لانه يعني الانفصال وبالمقابل فإن الجنوبيين حينما نادوا بالفيدرالية كانت الخلفية هي مؤتمر جوبا الذي اختاروا فيه الشمال على شرق افريقيا لكن بوضع خاص وهذا ما كان يستدعى استجابة تجعل لهم وضعا خاصا وهو الحكم الفيدرالي. * لكن الآن تمت هذه الاستجابة ؟ * نحن نفرط الآن في الاتفاقية كما اضاعوا هم فرصة الاستقلال ، فكان بالامكان اصلاح اخطاء الماضي لكن للاسف ، الشريكان لم يتعاملا كرجال دولة فالاتفاقية بالنسبة لي تعني شيئين اولاً تنمية الجنوب وثانيا التحول الديمقراطي وهذان شرطان لقيام دولة وطنية ، التنمية في الجنوب تجاوز للتهميش وبالتالي لن تكون هناك مظالم ، عملية التحول الديمقراطي تقوم بمهمة ضرورية وهي المشاركة والاحساس بالمواطنة وبذلك يتم تجاوز ما ارسته الانقاذ من تقسيم المواطنين الي درجة اولي ودرجة ثانية اهل الاسلام واهل الذمة وبالتالي تتحقق مسألة الانتماء للوطن. * كنت متفائلاً بنيفاشا والآن لم تعد كذلك .. لماذا ؟ * كان لدي أمل ان يتعلم الناس من التاريخ لكن وضح ان المؤتمر الوطني دخل الاتفاقية لأخذ ست سنوات اضافية وكأن الحكم منحه وقتا اضافيا لتسجيل اهداف. * من أين نبع تفاؤلك بنيفاشا ؟ * اولا من النصوص ومن الزخم الدولي الذي توفر لها ثانيا من التجربة المرة والدماء الكثيرة التي ترفت والتي كان ينبغي ان تدفع للتفكير بطريقة مختلفة ، اذا الامر ليس تفاؤلا وانما الواقع نفسه يفرض ان نمضي الي الامام. * لا يمكن تدارك الأمر ؟ * الشريكان لا يشعران بما يدور ولا يوجد عمل تجاه الاتفاقية ولا توجد مؤسسة ولا دولة بدليل خطابي جوبا ، والطرفان وضح انهما لا يجتمعان ولا يتابعان ما عليهما متابعته داخل بنود الاتفاقية لتنفيذه. * ولكن ما البديل ؟ اسأل عن الاحزاب الاخرى من غير الشريكين؟ * للأسف لا يوجد بديل وما بالساحة احزاب كسيحة وبلا طموح ،احزاب التجمع جاءت من القاهرة كمتسول (شحاذ) ولم تجئ كبديل او معارض او مقاوم ، وانما شحاذ في مائدة لئيم ، وحتي مشاركتهم في السلطة منقوصة ، فكل وزير منهم لديه وكيل وزارة يقوم بالعمل ، وهذا ما قال به علي عثمان قبل سنوات «ان المشاركة لا تعني المشاركة في الحكومة لانها ليست حكومتهم وانما يمكن ان يكون هناك وفاق بحيث ان الناس لا يتصادموا» . ولا افهم ان يأتي حزب الأمة بالآف في استعراض بالخيول امام الامير الحسن ولا يستطيع ان يأتي بمئات في مظاهرة لمواجهة ارتفاع الاسعار، كما لا اجد اجواء جميلة تجعل من الصادق المهدي يحتفل بعيده السبعين او الحادي والسبعين ، اما الاتحاد فما الذي يجعل محمد عثمان الميرغني بالخارج كل هذاالوقت وما معني ان يذهب جميع الناس الى شخص واحد لعقد مؤتمر ، وتجد الحزب الشيوعي فاقداً للمبادرة التي كان يتميز بها وهو عاجز عن عقد مؤتمر لمناقشة احداث ناقشتها جميع الاحزاب الشيوعية في العالم ، هذه الاحزاب لا تصلح كبديل وما يسمي بقوى حديثة ـ الاحزاب الصفوية ـ دللت علي عجزها بعدم قدرتها على التوحد وكل واحد لا يعترف بالثاني مع انها احزاب جمعيتها العمومية ومكتبها السياسي ولجنتها المركزية هي نفس الاشخاص الذين لا يتجاوزون 16 ــ 17 فردا . * كيف ترى الحل ؟ * نحن الان دخلنا مرحلة الدولة الفاشلة ، والدولة الفاشلة مفتوحة لكل الاحتمالات، انهيار ، تفسخ ، انقسام ، ونحن هيأنا الظروف بطريقة دستورية لمسألة التفكك ، فالذين وقعوا الاتفاقيات لو ذهبوا في اتجاه الانفصال فلهم الحق ، دستوريا لهم الحق ، والاتفاقيات لا تتحدث عن كيف تقود هذه اللامركزية الي مركزية.
أخبار مرتبطة: بعد مرور عامين على توقيع نيفاشا -تقرير: أسمهان فاروق
رجوع |