للديمقراطية والسلام والوحدة
   أسسها عبد الرحمن مختار في 1961م

العدد رقم: 5297

2008-03-18

بحث في الأخبار  

 

 

رئيس مجلس الإدارة:

طه علي البشير

المدير العام:

هاشم سهل

رئيس التحرير :

النور أحمد النور

مستشار التحرير:

حيدر المكاشفي

مستشار هيئة التحرير:

أمال عباس

مدير التحرير:

حسن البطري

«التسي تسي» تدمر الحياة في جنوب السودان
عرفها السودان قبل قرن من الزمان وفشل في أن يضع لها حداً   
فرح أم بدة
في عام 1949 تسلم حكمدار المديرية الاستوائية تقريرا مثيرا من أحد مفتشي الصحة الريفيين، يشير فيه الى ان السكان في منطقته لم يعودوا يقضون نهارهم في فلاحة الأرض كما كانوا منذ عقود، ولم يعد الصيادون يؤدون اغنياتهم الصباحية الجميلة قبل أن يندلقوا بقواربهم الى عمق مياه النهر كما ظلوا يفعلون لعهود، وكان المفتش الحزق ينبه الي ان حال السكان الذين باتوا يقضون النهار بطوله تحت ظلال الأشجار الوارفة وهم نيام لم يكن «أمرا عاديا»،
وقتها لم تسعف المعرفة المفتش الصغير لاكتشاف أن مرض النوم الذي بات يثير قلق الكثير من الشعوب المجاروة قد تسلل الى منطقته، وبالطبع لم يكن ليتصور ان المرض الذي نبه الى خطورته منذ وقت مبكر، سيفوق عدد ضحاياه ضحايا الحرب التي اشتعلت واستمرت مشتلعة لاكثر من نصف قرن.
لقد تسلل «مرض النوم» وهي التسمية الشعبية المتداولة لمرض «التريبانوزوما» الذي تنقله ذبابة غابية تسمى «التسي تسي» وهي ذبابة صغيرة الحجم لكنها لاسعة تغرس مثقبها المدبب في دم ضحيتها قبل ان تهاجم جهازه العصبي، تسلل الى الجنوب من الدول الغابية المجاروة في السنوات الأولى من القرن قبل الماضي وتحديدا في عام 1911م، لكنه لم يجد التفاتة الا في منتصف الأربعينيات عندما استفحل امره، ويعد من اكثر الأوبئة المرضية ضررا لانه يحيل الشعوب المنتجة الى كسالى او شبه اموات، وهو بجانب ضرره المباشر على الإنسان يؤذي الحيوانات والماشية التي يعتمد عليها السكان في المناطق الغابية، ومثلما يعرف بشكله البشري باسم مرض النوم، فإن اسمه بشكله الحيواني هو «ناغانا».
تقول احصائيات منظمة الصحة العالمية، إن مرض التريبانوزوما يهدد أكثر من 65 مليون مواطن في المناطق الأفريقية الغابية التي تضم جنوب السودان، ويتسبب في وفاة 80% من المصابين به، ولانه يصيب الجهاز العصبي في الانسان ويطوِّل فترة نومهم، فإنه بذلك يقوض جهود التنمية «الاجتماعية والاقتصادية» في تلك الاحزمة، وفي السودان.
وتقول تقارير محلية «اعدتها لجنة تابعة للحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 1999وأطلعت «الصحافة» على مضمونها» إن سكان المناطق الريفية في الجنوب وفي مناطق متفرقة من الجنوب الغربي ومن الجنوب الشرقي حيث تعشعش ذبابة «التسي تسي» توطّن بينهم المرض بدرجة اصبح مرضا عاديا، كما تسبب في نفوق عشرات اللآلاف من ابقارهم خلال العقود الماضية، خاصة وسط الريفيين على ضفاف الأنهار ومستنقعات المياه والبحيرات.
وحسب تقرير تلك اللجنة فإن نوعين من المرض ينتشران في غابات الجنوب، الأول يبقى في جسم الإنسان لفترة تصل الي عدة أشهر دون ظهور اية أعراض، وهذا النوع ينتشر في المناطق الجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية، اما المناطق المحاددة لكينيا وليوغندا وعلى الشريط النهري، فيتمدد وسط قاطنيها نوع من المرض حاد تظهر أعراضه خلال أسابيع.
ورغم ان التقرير لم يذكر ارقاما للضحايا، الا أن منظمة الصحة العالمية تعتبر جنوب السودان من المناطق الموبوءة بالمرض، ويقول احد تقاريرها انه ينتشر في نحو 37 بلدا بينها السودان، 32 من هذه الدول تعتبر الأكثر فقراً في العالم، والسودان من البلدان التي بها اكثر من نوع من انواع «التسي تسي» العشرين «حوالي سبعة انواع»، ويقول تقرير حديث لبرنامج مكافحة مرض النوم في أفريقيا إن «مرض النوم من شأنه تخفيض إجمالي الناتج المحلي الزراعي بمعدل 2% إلى 10% في الدول التي تنتشر فيها الذبابة».
ووفق ما جاء في التقرير فإن نحو 10 ملايين كيلومتر مربع من القارة الأفريقية موبوءة بذبابة «تسي تسي»، وثمة جزء خصب من هذه المساحة الشاسعة تتعذر زراعته، ويطلق عليه اسم الصحراء الخضراء التي لا يقربها بشر ولا حيوان «في حال استئصال ذبابة التسي التسي، ومن ثم القضاء على مرض التريبانوزوما الذي تنقله، فإن ذلك سيتيح للريفيين في أفريقيا استرداد بقاع واسعة من قارتهم وتعزيز الإنتاج الغذائي بها إلى حد بعيد».
ويؤدي هذا المرض إلى نفوق 3 ملايين رأس من الحيوانات سنوياً، كما يسفر عن انخفاض القدرة الإنتاجية للحيوانات المصابة. ويصل عدد الحيوانات التي تعاني من مرض «ناغانا» إلى قرابة 50 مليون حيوان.
ويقول تقرير أعدته وكالة أنباء السودان الحكومية «أمس الأول الجمعة» أن خمسة ملايين شخص تحت خطر الاصابة بمرض ذبابة «التسي تسي» التي تنتشر بشكل وبائي في ولايات الاستوائية الكبرى، وبمعدل وفيات عالية في تلك المناطق التي تبلغ مساحتها 300 ألف كيلومتر مربع، وهي مناطق حسب الوكالة تعتبر من أجود اراضي المراعي بالسودان، وأن كلفة استئصال المرض ومكافحة الذبابة كلف البلاد 33.700.000 مليون دولار.
ومن جهته يقول بيتر قويت الخبير السوداني ببرنامج مكافحة مرض النوم في أفريقيا في مقال نشر بموقع القرن الأفريقي.. إن ذبابة «التسي تسي» حشرة تنشر الفقر وتحول دون إفلات السكان منه، من خلال منعهم من إنتاج ما يكفي من الغذاء وتحيل حياتهم الى موات .. وهي في الحقيقة العائق الرئيسي أمام استحداث نظم زراعية مستدامة في جنوب السودان وفي غيره من المناطق، لذلك حسبما يقول، فإن تحطيم حلقة الفقر يتطلب تدابير جديدة وسهلة ومقنعة، لمكافحة المرض ومحاربة الذبابة التي تنقله.
على مدى الخمسة عقود الماضية، جرب السودان بالتعاون مع منظمات اقليمية ودولية مهتمة، العديد من التجارب لمكافحة ذبابة «التسي تسي» بينها المعالجة الكيميائية التي تستخدم رش مواقع وجود الذبابة بالمبيدات، والمكافحة الشعبية التي تستخدم الادخنة وغيرها، لكنه لم يتمكن من تجريب المكافحة البيولوجية التي اثبتت جدواها في كثير من البلاد الموبوءة، الا في نطاق تجريبي ودراسي محدود، ربما كان السبب عدم المقدرة المالية او اندلاع الحرب في مناطق الانتشار.
وتعتمد المكافحة البيولوجية للذبابة في الاساس على الحشرات العقيمة، حيث يتم تعقيم ذكور ذبابة «التسي التسي» باستخدام الإشعاع قبل ان تطلق في المناطق الموبوءة لتتزاوج، ومع الإطلاق المستمر للذكور العقيمة فإن معدلات التكاثر في صفوف العشائر بأسرها تبدأ بالانخفاض بسرعة، مما يؤدي إلى انقراض الحشرة في ظرف لا يتعدى العقد او العقدين، وحسب مقال بيتر قويت، فقد جربت هذه الطريقة في العديد من الدول الموبوءة وسجلت نجاحا كبيرا، فعن طريقها تم تطهير جزيرة زنجبار عام 1997م، وانخفض اعداد المصابين في كينيا وزمبابوي ومدغشقر.
أما في السودان وحسبما يقول البروفيسور موسى تبن مدير عام هيئة الثروة الحيوانية لوكالة السودان للانباء، فإن معوقات كثيرة تعترض مكافحة «التسي تسي» منها ان الذبابة في حالة عدم وجود لقاح ثابت، كثيرا ما تغير جيناتها بالإضافة إلى محدودية الادوية المستخدمة للقضاء على الذبابة، والتي يتم استيرادها من دول اوروبية مما يشكل عائقاً في مسيرة المكافحة.
ومؤخرا دعت 4 منظمات دولية، هي منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة الوحدة الأفريقية ومنظمة الصحة العالمية، الى تطبيق ما بات يُعرف بمبادئ الإدارة المتكاملة لمكافحة ذبابة «التسي تسي» والقضاء على مرض النوم الذي تسببه للانسان ومرض «ناغانا» الذي تصيب به الحيوان، وتعني الإدارة المتكاملة لمكافحة الآفات، الربط بين الممارسات الزراعية وعمليات مكافحة ذبابة «التسي تسي» في المناطق التي تجمع بين الماشية وحقول المحاصيل، حيث تتوافر الفرص لاستخدام الذباب العقيم للتخلص من الذبابة والأمراض التي تحملها بصورة نهائية.
وحسب الدعوة التي وجهت الى حكومات الدول الموبوءة ومن بينها السودان، فإن تناقص القدرة على فلاحة الأرض وزراعة المحاصيل في كل مكان يسود فيه مرض النوم وناغانا، يُسهم الى حد كبير في انعدام الأمن الغذائي وزيادة الفقر خاصة في الريف، وأن دولاً كثيرة من بينها السودان، يمكن أن يتضاعف انتاجها من المحاصيل لو تخلصت من ذبابة «التسي تسي»، وان ذلك يستدعي التركيز على المكافحة البيولوجية، وعلى تدريب الريفيين لاستخدام الوسائل الكفيلة باصطياد الحشرة وقتلها.

 

 

 

....

 

 

 

©2004 Alsahafa.info. All rights reserved.
Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .