للديمقراطية والسلام والوحدة
   أسسها عبد الرحمن مختار في 1961م

العدد رقم: 5297

2008-03-18

بحث في الأخبار  

 

 

رئيس مجلس الإدارة:

طه علي البشير

المدير العام:

هاشم سهل

رئيس التحرير :

النور أحمد النور

مستشار التحرير:

حيدر المكاشفي

مستشار هيئة التحرير:

أمال عباس

مدير التحرير:

حسن البطري

تعقيباُ على نوم النواطير (3)

حول خطاب المثقفين السودانيين
ختمنا "بيننا" الماضية بنية الاسترسال في تعقيبنا على مقالة الدكتور حيدر إبراهيم علي "نوم النواطير" مع اعتبار خاص لمقاله التالي الذي واصل فيه نقد الواقع السوداني المرير تحت عنوان "لكم سودانكم ولي سوداني"، فقد اعترفنا بصحة تحليل الأستاذ ياسين حسن بشير أن معالجتنا للمقال تحت عنوان "رقبة الجمل" لم تكن معالجة موفقة، وأن الأجدى بنا جميعا أن نرتفع بالحديث عن الشخصنة وعن الذاتية، وأن نناقش القضايا العريضة والهامة مثل الخارطة الحزبية لدينا ما لها وما عليها، ومثل قضايا منظمات المجتمع المدني، في إطار لا يرتبط بالأشخاص ولكن بالمعاني والدروس المستقاة من أنماط السلوك السائدة، واليوم نحن نناقش الخطاب الثقافي السوداني.. وأستند في ذلك على ورقة قدمتها أمام سلسلة ورش عمل عقدها حزب الأمة بالخارج في القاهرة في يوليو 2000م. وأصل الورقة كان تقريرا قدمته لجنة مكونة من عدد من قيادات وكوادر الحزب كنت عضوة فيها كتقييم لندوة "السودان: الثقافة والتنمية الشاملة" التي أقامها مركز الدراسات السودانية في أغسطس 1999، قدمت اللجنة التقييم لمركز الدراسات السودانية الذي شكر الحزب على جديته وتعامله المسئول مع الحدث حينها. واقترح الحزب أن تشمل ورش عمله التنظيمية محورا ثقافيا يحتوي على ورقة لتحليل خطاب المثقفين السودانيين، وبينما كنت من الكادر الحزبي الملتحق بدوائر المثقفين السودانيين بالمحبة فقد تصديت لحمل هذه الأمانة وكنت أنوء بحمل آخر، حتى أنه بعد الفراغ من الورشة نصحني والدي ألا أترك تلك الورقة إلا بعد تطويرها إلى كتاب وألا أؤجل ذلك فأفعله غدا، قلت له: حدسي أنني غدا سأضع مولودي، فقال: اكتبي الكتاب ثم ضعيه، ولكن وضعت "محمد الرشيد" ابني وضاع الكتاب!. والآن أيقظت المقالات التي نناقشها تلك القضية بشكل كأنما ما مضى من زمان قد سقط..


في تلك الورقة أكدت أنني ساتناول نوعا من الخطاب الثقافي الذي استشرى مؤخرا، وقد كانت الندوة المقصودة مع إيجابياتها الضخمة كونها رد دين لقامة إبداعية مثل كاتبنا الطيب صالح بنوع من العرفان والتقدير، وكونها جمعت سودانيي الشتات والداخل يومها في محفل واحد وكانوا قد سلكوا طرائق قددا، وكونها ألقت بنظرات متعمقة على الثقافة السودانية من وجهات نظر متباينة.. ولكن أيضا برزت فيها نزعة الإثنية المسيسة بل والدعوة صراحة للديكتاتورية الإثنية. تناولت في الورقة الخطاب الفكري لقطاعات من المثقفين السودانيين، وقد أثبت أن النظر للخارطة السياسية لدى النمط السائد بين المثقفين لم يكن متعمقا ولا نافذا ولا واصلا لتحليل حقائق الشقاق والفراق أو التلاقي في الخارطة السياسية، ولا الفروقات الأصيلة بين الجماعات المختلفة، وتتم الإشارة أحيانا للتنقلات السطحية لبعض القيادات من هذا الحزب إلى ذاك أو مشاركتها في أكثر من حكومة، يتم النظر إليها باعتبار أنه لا توجد اختلافات حقيقية بين القوى السياسية السودانية.. وسنتعرض لنسف مثل هذه المفاهيم لاحقا، لكننا مهتمون هنا بما يسود في نمط الخطاب الفكري للمثقفين السودانيين. قلت في الورقة أن خطاب المثقفين السودانيين (وأعني نمطا لا ينطبق على الجميع) تعيبه أشياء عديدة منها: الخلط بين الفكر والإبداع، والتنظير للمجتمع من خارجه، وعدم المثابرة الفكرية وأحيانا التذبذب الفكري غير المتصل بأسباب موضوعية. هذه السمات وغيرها موجودة لدى كثير من كتابنا بل وبعض قادتنا السياسيين الذين أفرزتهم النخبة المثقفة بدرجات متفاوتة. كل هذه السمات يمكن تحليلها وتحليل أسباب وجودها بشكل لا ينحى للوم شخص أو جهة فالثابت أن لكل شيء سببا، والغول لم يهبط من السماء على قول التشكيلي الدكتور عبد الله بولا، لكننا هنا مهتمون بشكل رئيسي بخصلة : الخلط بين الفكر والإبداع، قلت:


للإبداع الفني سبله في التعبير عن الواقع أو تشوف المستقبل. سبل تستند على قراءات ذاتية، ومنابع إلهامية تطلق لا وعي الأفراد -وربما الشعوب- ووعيهم في أشكال جمالية مختلفة. العملية الإبداعية عملية معقدة ولها منطقها الخاص الذي لا يمكن تصديقه أو تكذيبه، يمكن فقط التمتع به واستلام رسالته الجمالية فهي تخاطب الوجدان ، ولكن لا يتاح اختبار حلقاتها ومدى متانتها من عدمها، ثم تكذيب محتواها أو تصديقه. أما العملية الفكرية فهي تخاطب العقل في المقام الأول (بالطبع هذا لا يعني أن ننفي عن الخطاب العقلي أو الفكري أو العلمي أن يكون جميلا ولا أن يتزين بالجماليات بحيث تكون زينة لا لبا، وهذا ما تعرضنا له من قبل ويحسن أن نفيض فيه لاحقا) ولذلك فإن الولوج للفكر من باب الإبداع هو فعل خطر على العملية الفكرية ناسف لأساسها المساءل، وخلط بين مواضع اللب والوجدان.


المشاهد للعملية الفكرية في السودان يراها متقاطعة مع حلقات الشعر (والتشكيل أحيانا) بصورة آبدة. فمثلا إن كتابا عنوانه "أصول الفكر السوداني" يعد في غالبه سياحة بين التيارات الشعرية.. والتنظير عند الكثير من المشتغلين بالفكر نراه يحشد أسماء الشعراء ويسوق الأبيات ويحللها لا بقصد تحليل الشعر السوداني واكتشاف مدارسه وهذه ذاتها عملية فكرية مقدرة، بل بقصد التوثيق للفكر السوداني عامة. هذا النهج -الخلط بين الفكر والإبداع الفني- يظهر في العناية التي لقيتها مدرسة الغابة والصحراء باعتبارها مدرسة فكرية في المقام الأول، وفي ندوة الثقافة والتنمية المذكورة تناولت ورقتي نقد عبد الله علي إبراهيم لها ?أي مدرسة الغابة والصحراء، كما تليت أبيات محمد المهدي المجذوب: "فليتي في الزنوج ولي رباب..الخ" ثلاث مرات على أن شاعرنا محمد المهدي المجذوب رحمه الله أب مدرسة الغابة والصحراء الروحي في البحث عن هويتنا الإفريقية، والمجذوب كان موظفا ببورتسودان،وعوقب بالنقل إلى الجنوب، فعاش هناك شعريته وتذوقه للجمال، وأعجب بانتفاء "الأنساب" والقيود، وبجمال الجنوبيات.. الخ.. هكذا بكل ذاتية وصدق، كشاعر جاء لمجتمع مغاير عن مجتمعه وأعجبه. هل قال أحد عن المتنبي حين تغزل في شعب جمان "مغان الشعب طيبا في المغان.. الخ" أنه اكتشف هويته هناك؟ النقاش الذي نالته مدرسة الغابة والصحراء في الندوة لم يضع في اعتباره أن تلك المدرسة كانت مدرسة شعراء عائدين "من شعاب الأرخبيل الأوروبي" على حد تعبير الدكتور عبد الله علي إبراهيم، ولم تنتج عن عملية فكرية محيطة بموضوعها محللة له حتى ولو استخدم رموزها الكتابة الفكرية لنصرتها من بعد. الدليل على ذلك أنها سرعانما ضمرت وعادوا من "سنار" نفسها فللشعر مزاجه! وقد وثقت عودتهم ورقة الأستاذ أحمد جلال هاشم المقدمة في نفس الندوة.


وفي مقال الدكتور حيدر إبراهيم علي "لكم سودانكم ولي سوداني" الذي أشرنا له خلط آخر بين لغة السياسة والواقع والشعر حيث خاطب القضية السودانية شعريا.. كان مقالا مطربا إذا اتفقت معه، مغضبا إذا لم تتفق.. لكن سيكون من الصعب في حالة الاختلاف أن ترد على كل ما غمك.. فرفض سودان الإنقاذ أو سودان الآخرين كان على أسس بعضها موضوعي يخاطب اللب وبعضها مخلوط خلطا بالوجدان. وفي المقال تعميم لسوء الآخر وتعميم لخير الأنا، وفي هذا الصدد أتذكر دراسة كتبها الدكتور محمد إبراهيم الشوش حول كتابات الدكتور فرانسيس دينق ونشرت في مجلة الخرطوم، يؤكد فيها أن "شيطنة" موقف ما و"ملكنة" موقف آخر، والصياغات مني- موقف لا يتخذه حتى الحس الفني الأصيل. تحدث المقال عن سودان شاعري على غرار لبنان جبران خليل جبران: "لكم لبنانكم ولي لبناني. لكم لبنانكم ومعضلاته ولي لبناني وجماله. لكم لبنانكم بكل ما فيه من الاغراض والمنازع، ولي لبناني بما فيه من الاحلام والأماني. لبنانكم حكومة ذات رؤوس لا عداد لها، أما لبناني فجبل رهيب وديع جالس بين البحر والسهول جلوس شاعر بين الابدية والابدية. لبنانكم حيلة يستخدمها الثعلب عندما يلتقي الضبع والضبع حينما يجتمع بالذئب، اما لبناني فتذكارات تعيد على مسمعي أهازيج الفتيات في الليالي المقمرة. لبنانكم طوائف وأحزاب، اما لبناني فصبية يتسلقون الصخور ويركضون مع الجداول. لبنانكم شيخ قابض على لحيته، قاطب ما بين عينيه ولا يفكر الا بذاته. اما لبناني ففتى ينتصب كالبرج ويبتسم كالصباح ويشعر بسواه شعوره بنفسه." هذه هي الشعرية التي تحلق في سموات بعيدة وترفض التعامل مع الواقع برغم وجوده "فلبنانهم" موجود وهو لا يعترف بوجوده ويعترف بلبنان متخيل لديه، الشاعر يمكن أن يختار ما يريد، ربما لذلك قال المولى عن الشعراء أنهم (في كل واد يهميون) ومع كوني من "الغاوين" تباع الشعراء إلا أن الدعوة لإسقاط حرية اللغة الشعرية على اللغة الواقعية الفكرية أو العملية ستكون دعوة غير موفقة. فإذا اختار المثقف أي مثقف مثل هذا الخطاب فإنه يهجر لبنانه مرتين: مرة حينما يرفض التعامل مع الواقع وهذا مختلف عن رفض الواقع فالواقع الرديء يجب أن يرفض ولكن نفكر كيف نتعامل معه للتطوير، والثانية حينما يبني وهما يهرب إليه.. هذا المنحى يمكن وجميل جدا في الشعر، ولكنه خطر جدا في السياسة التي هي تعامل مع أمور الناس اليومية والواقعة والتي لا يمكن إنكارها.


لقد ناقشنا بعض ما يحدث حين الخلط بين لغة اللب ولغة الوجدان، ونناقش لاحقا بإذن الله تحليل الواقع السياسي في الخطاب الثقافي السوداني، ومدى صحة التهويمات السائدة هنا أحيانا، والاتهامات التعسفية أحيانا أخرى؟ وهل حقا ليس بين الأحزاب السودانية أية فروقات فكرية أو تنظيمية أو في موقفها من الأحداث الوطنية؟ وما هي حكاية "السيدين" ما أصلها وفصلها على حد تعبيراخوتنا المصريين؟! هذا غير الأسئلة المتعلقة بمنظمات المجتمع المدني..
نواصل بإذن الله
وليبق ما بيننا



رجوع

 

 

 

....

 

 

 

©2004 Alsahafa.info. All rights reserved.
Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .